القاضي التنوخي
249
الفرج بعد الشدة
فوكّلوا بي جماعة ، حتى خرجت من البلد ، وأنا في حالة ، الأسر عندي أحسن منها وأطيب ، وحثّوا بي السير . فلمّا قاربت الرقّة ، وأردت الدّخول إليها ، أدركنا اللّيل ، فإذا بأعرابيّ في ناحية عنّي ، ومعه إبل يحدوها ، ويقول : كم مرّة حفّت بك المكاره * خار لك اللّه وأنت كاره [ قال : ولم يزل يكرّر ذلك ] « 9 » ، فحفظته ، وتبرّكت بالفأل ، ودخلت الرقّة ، فلم أقم بها إلّا أيّاما يسيرة ، حتّى ورد كتاب أمير المؤمنين بالخروج إلى الشّام للتعديل « 10 » ، وأجرى عليّ مائة ألف درهم ، وذكر أنّ هذا عمل جليل ، كان المأمون خرج فيه بنفسه ، لجلالته وعظم خطره ، وأنّه رآني أهلا له . فخرجت ، فرأيت كلّ ما أحبّ ، حتّى لو بذلت لي العراق بأسرها ، على فراق تلك النّاحية ، ما سمحت نفسا بذلك ، فللّه الحمد والمنّة « 11 » . [ وذكر هذا الخبر محمّد بن عبدوس في كتاب الوزراء ، فقال : حدّثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمّد الخصيبي ، قال : حدّثني أبو خازم القاضي ، قال : حدّثني جدّك أحمد بن محمّد بن مدبّر - وكان جدّه لأمّه ، وحدّثني أنّه لم يره قط ] « 12 » - أنّ المتوكّل خرج إلى المحمّديّة سنة إحدى وأربعين ومائتين متنزّها ، فأتاني رسوله ، وأحضرني ، فحضرت ، فوجدت عبيد اللّه بن يحيى « 13 » ،
--> ( 9 ) الزيادة من م . ( 10 ) التّعديل : القسمة بين الشركاء إذا سوّيت على القيم ( لسان العرب ) ويريد بها هنا : تعيين واستيفاء حصّة السلطان من الحاصلات الزراعيّة . ( 11 ) نقلها باختصار صاحب حلّ العقال 41 . ( 12 ) الزيادة من غ وم ، وفي بقيّة النسخ : قرأت في خبر آخر أنّ المتوكّل خرج إلى المحمّدية . . . الخ . ( 13 ) أبو الحسن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان الكاتب ، وقد وزّر للتوكّل ، ترجمته في حاشية القصّة 73 من هذا الكتاب .